يبدو تعدد المهام في بيئة العمل وكأنه ميزة يبحث عنها أصحاب العمل والموظفون على حد سواء. الرد على البريد الإلكتروني أثناء حضور اجتماع، متابعة رسائل العمل خلال كتابة تقرير، أو الانتقال بين عدة مشاريع في الساعة نفسها، كلها سلوكيات قد تعطي انطباعاً بأن الموظف سريع ومنظم وقادر على إنجاز الكثير.
لكن هناك مشكلة في المهام التي تحتاج إلى تفكير وتركيز، لا يعني تعدد المهام أن العقل ينفذ كل شيء في الوقت نفسه. في كثير من الحالات، ما يحدث فعلياً هو التبديل السريع بين المهام. وهذا التبديل له تكلفة؛ إذ يحتاج الدماغ إلى إعادة توجيه الانتباه في كل مرة ينتقل فيها الشخص من مهمة إلى أخرى. وتشير أبحاث في علم النفس إلى أن هذه التكلفة قد تؤدي إلى انخفاض الكفاءة وزيادة الوقت اللازم لإنجاز العمل.
ما خرافة تعدد المهام؟#
الفكرة الشائعة هي أن الشخص يستطيع تحسين إنتاجيته من خلال العمل على عدة مهام في الوقت نفسه. لكن هذا الأمر يعتمد على نوع المهام.
هناك فرق بين:
- جمع مهام بسيطة لا تتطلب تركيزاً كبيراً، مثل الاستماع إلى بودكاست أثناء ترتيب الملفات.
- تنفيذ مهمتين تحتاجان إلى الانتباه في الوقت نفسه، مثل كتابة تقرير والرد على رسائل العمل.
- التنقل المستمر بين مهام معقدة، مثل تحليل البيانات، حضور اجتماع، إعداد عرض تقديمي والرد على البريد الإلكتروني خلال فترة قصيرة.
المشكلة تظهر خصوصاً في النوعين الثاني والثالث. فكلما كانت المهمة أكثر تعقيداً أو أقل اعتياداً، زادت تكلفة الانتقال إليها والعودة منها. وأظهرت تجارب بحثية أن الأشخاص يخسرون وقتاً عند الانتقال بين المهام، وأن الخسارة تصبح أكبر عندما تكون المهام معقدة أو غير مألوفة.
لماذا يقلل تعدد المهام الإنتاجية؟#
1. لأن الانتباه لا ينتقل فوراً#
عندما تترك مهمة لتبدأ أخرى، لا يستطيع العقل ببساطة إغلاق الأولى وفتح الثانية مثل نافذة جديدة على جهاز الكمبيوتر.
تحتاج إلى:
- تحديد أنك ستتوقف عن المهمة الحالية.
- استحضار متطلبات المهمة الجديدة.
- تذكر ما يجب فعله.
- استبعاد المعلومات المرتبطة بالمهمة السابقة.
- العودة لاحقاً إلى المهمة الأولى ومحاولة تذكر النقطة التي توقفت عندها.
هذه الخطوات قد تبدو صغيرة، لكنها تتكرر عشرات المرات خلال يوم العمل.
وتشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن تكاليف التبديل قد تكون صغيرة في كل مرة، لكنها تتراكم عندما ينتقل الشخص باستمرار بين المهام.
2. لأن المقاطعات تجعل العودة إلى العمل أصعب#
تخيل أنك تقضي 30 دقيقة في كتابة تقرير مهم، ثم يظهر إشعار برسالة من أحد الزملاء. تفتح الرسالة، ترد عليها، ثم تنتقل إلى بريد إلكتروني آخر، وبعد دقائق تعود إلى التقرير.
قد تشعر أنك لم تهدر سوى دقيقتين أو ثلاث، لكن المشكلة ليست في مدة المقاطعة وحدها.
عليك أن تتذكر:
- أين توقفت؟
- ما الفكرة التي كنت تكتبها؟
- ما المعلومة التي كنت تبحث عنها؟
- ما الخطوة التالية؟
- ما الذي كنت تريد تعديله؟
وهذا أحد أسباب ما يعرف في أبحاث العمل بـ بقايا الانتباه (Attention Residue)؛ إذ قد يبقى جزء من التفكير مرتبطاً بالمهمة السابقة بعد الانتقال إلى مهمة أخرى، خصوصاً إذا كانت المهمة الأولى غير مكتملة. وقد وجدت الباحثة صوفي ليروي أن بقايا الانتباه يمكن أن تؤثر في أداء المهمة التالية.
3. لأن الانشغال لا يساوي الإنتاجية#
من السهل الخلط بين النشاط والإنتاجية.
قد يمضي الموظف يومه في:
- الرد على عشرات الرسائل.
- حضور الاجتماعات.
- تحديث جداول العمل.
- متابعة إشعارات التطبيقات.
- الانتقال بين المشاريع.
- الرد على أسئلة الزملاء.
- مراجعة الملفات بشكل متكرر.
وفي نهاية اليوم يشعر بأنه عمل كثيراً، لكن ما الذي تم إنجازه فعلاً؟
قد تكون هناك مهام صغيرة كثيرة اكتملت، بينما بقيت المهمة الأساسية التي تحتاج إلى تركيز عميق دون تقدم حقيقي.
لذلك، لا ينبغي قياس الإنتاجية بعدد المهام التي يلمسها الموظف خلال اليوم، بل بقيمة النتائج التي يحققها وجودة العمل الذي ينجزه.
4. تعدد المهام قد يزيد الأخطاء#
السرعة ليست المعيار الوحيد للأداء الجيد. في كثير من الوظائف، تكون الدقة أكثر أهمية من إنجاز المهمة بسرعة.
يمكن أن يؤدي الانتقال المستمر بين المهام إلى زيادة احتمال نسيان التفاصيل أو قراءة المعلومات بشكل غير دقيق. وقد أظهرت أبحاث حول الانتباه وتعدد المهام أن الانتقال السريع بين الأنشطة يمكن أن يرتبط بزيادة الأخطاء وتباطؤ الأداء.
وهذا مهم بشكل خاص في وظائف مثل:
- المحاسبة والوظائف المالية.
- البرمجة وتطوير البرمجيات.
- تحليل البيانات.
- كتابة المحتوى والتحرير.
- التصميم.
- إدارة المشاريع.
- الوظائف التي تتضمن مراجعة العقود أو المستندات.
- أي عمل يتطلب اتخاذ قرارات دقيقة.
في هذه الحالات، قد تكون إعادة العمل بسبب خطأ واحد أكثر تكلفة من الوقت الذي ظن الموظف أنه وفره من خلال تعدد المهام.
ماذا تقول الدراسات عن تعدد المهام؟#
من الدراسات المعروفة في هذا المجال بحث أجراه باحثون من جامعة ستانفورد ونُشر عام 2009 في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences.
درس الباحثون أشخاصاً يمارسون تعدد المهام الإعلامية بكثافة وقارنوهم بآخرين أقل ممارسة لهذا السلوك. ووجدوا أن مجموعة تعدد المهام بكثافة كانت أكثر عرضة للتأثر بالمعلومات غير المرتبطة بالمهمة الحالية في الاختبارات التي أجريت عليها.
لكن من المهم التعامل مع هذه النتيجة بدقة: الدراسة لا تعني أن كل شخص يقوم بتعدد المهام سيصبح أقل ذكاءً أو أقل إنتاجية، كما أنها لا تثبت بمفردها أن تعدد المهام هو سبب الاختلافات التي وجدتها. فالعلاقة بين عادات استخدام الوسائط والقدرات المعرفية أكثر تعقيداً من ذلك.
أما الأدلة المتعلقة بتكلفة تبديل المهام نفسها، فهي أكثر مباشرة. فقد وجدت أبحاث تجريبية أن الانتقال بين المهام يستغرق وقتاً إضافياً، وأن التكلفة تزداد مع تعقيد المهمة وعدم الاعتياد عليها.
كيف يؤثر تعدد المهام في الموظف؟#
لا تتوقف المشكلة عند انخفاض سرعة الإنجاز. فالتعامل مع المقاطعات المتكررة قد يجعل يوم العمل أكثر إرهاقاً من الناحية الذهنية.
عندما يكون الموظف في حالة انتقال مستمر بين المهام، يصبح من الصعب الوصول إلى فترات طويلة من التركيز. وقد وجدت أبحاث حول العمل والانتباه أن المقاطعات الرقمية والعادات المرتبطة بفحص الأجهزة يمكن أن تجعل الحفاظ على التركيز أكثر صعوبة.
وهذا يخلق دائرة متكررة:
مهمة → إشعار → مقاطعة → مهمة جديدة → رسالة → عودة للمهمة الأولى → محاولة استعادة التركيز.
ومع تكرار هذه الدورة، قد ينتهي اليوم بطاقة ذهنية أقل وكمية إنجاز أقل مما كان متوقعاً.
كيف تتجنب تعدد المهام في العمل؟#
ليس المطلوب أن يعزل الموظف نفسه تماماً عن زملائه أو يتجاهل البريد الإلكتروني طوال اليوم. معظم الوظائف تحتاج إلى قدر من المرونة والاستجابة.
لكن يمكن تقليل التبديل غير الضروري من خلال خطوات عملية، منها:
1. حدد مهمة أساسية لكل فترة#
بدلاً من فتح خمس مهام في الوقت نفسه، حدد المهمة التي تستحق معظم انتباهك خلال الفترة الحالية.
2. اجمع المهام المتشابهة#
خصص وقتاً محدداً للرد على البريد والرسائل بدلاً من التعامل معها بشكل مستمر طوال اليوم.
3. أوقف الإشعارات غير الضرورية#
ليس كل إشعار يحتاج إلى رد فوري. إغلاق الإشعارات خلال فترة التركيز قد يقلل المقاطعات ويساعد على الحفاظ على الانتباه.
4. أنهِ جزءاً واضحاً من المهمة قبل الانتقال#
إذا كان من الصعب إنهاء المهمة بالكامل، حاول الوصول إلى نقطة توقف واضحة قبل الانتقال إلى شيء آخر. هذا يسهل العودة إلى العمل لاحقاً.
5. اترك مساحة للطلبات الطارئة#
جدولة يوم العمل بالكامل دون أي وقت للمقاطعات ليست واقعية. تخصيص مساحة للطلبات غير المتوقعة يجعل الخطة أكثر قابلية للتنفيذ.
6. لا تجعل سرعة الرد معياراً للإنتاجية#
الرد الفوري على كل رسالة قد يجعلك تبدو متاحاً دائماً، لكنه ليس بالضرورة أفضل استخدام لوقت العمل. المهم هو معرفة متى تكون الاستجابة الفورية ضرورية ومتى يمكن تأجيلها.
هل تعدد المهام سيئ دائماً؟#
لا. يمكن الجمع بين بعض الأنشطة البسيطة عندما لا تتنافس على القدر نفسه من الانتباه. كما أن بعض الوظائف تتطلب التعامل مع أكثر من مسار عمل، ولا يمكن فيها تجنب التبديل تماماً.
المشكلة تبدأ عندما يتحول تعدد المهام إلى نمط دائم من المقاطعة والتبديل، خصوصاً أثناء الأعمال التي تحتاج إلى تركيز وتحليل وإبداع.
لهذا، قد يكون من المفيد تغيير السؤال من: «كم مهمة أستطيع القيام بها في الوقت نفسه؟» إلى: «ما المهمة التي تستحق انتباهي الآن؟»
في بيئة العمل، قد يبدو الموظف الذي ينتقل بين عشر نوافذ وتطبيقات خلال ساعة شديدة النشاط. لكن الموظف الذي يغلق المشتتات ويمنح مهمة واحدة اهتمامه الكامل قد يحقق نتيجة أفضل في وقت أقل.
الإنتاجية لا تأتي دائماً من فعل المزيد، بل أحياناً من التوقف عن تبديل الانتباه دون حاجة.
